المميزةحوارات

نعتمد على دواء الإيبولا في علاج كورونا

الطبيب الجزائري عبد الرحمان مسلم مسؤول علاج المصابين بكورونا بمستشفى جايسلينغن بألمانيا

اختلفت نتائج الأبحاث، وتضاربت طرق العلاج، في مواجهة فيروس العصر المستجد، كوفيد 19، من دولة إلى أخرى.. فما هي أنجع طرق العلاج في دولة تملك أقوى منظومة صحية عالميا؟.. وهل يتطلب الأمر توقيف استعمال دواء الملاريا، بعد أن أكدت نتائج التشريحات أن الفيروس يسبب تخثر الدم في أوعية الرئتين؟ وهل ينتقل فيروس كورونا عن طريق الأعين؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وأخرى، أجرت “الجالية الجزائرية” هذا الحوار مع الدكتور الجزائري، مسلم عبد الرحمان شعشوع، رئيس قسم وحدة العناية المركزة، مسؤول وحدة علاج المصابين بفيروس كورونا بمستشفى جايسلينغن الأكاديمي بألمانيا، المكلف بتأهيل الكوادر الطبية من خلال دورات للأطباء وخريجي جامعات الطب والممرضين، لتعليمهم طرق العلاج ومكافحة الوباء بمستشفى جايسلينغن الأكاديمي بألمانيا.

محدثنا ابن منطقة ورقلة، التي غادرها في سن 10 سنوات، قام بدراسة الطب في جامعة توبينغن Tübingen  بجنوب غرب ألمانيا، وتخرج بالتخصصات الأربعة على التوالي، فهو طبيب مختص في الطب الباطني٬ وأخصائي قلب٬ وطبيب متخصص في الحالات الاستعجالية والطوارئ، إضافة إلى تخصص العناية المركزة.

إلى جانب أسباب العدوى التي صارت معروفة لدى العامة هناك دراسة أمريكية حديثة مفادها أن الفيروس يدخل الجسم عن طريق العين ما مدى صحتها؟

صحيح، لأن الفيروس ينتقل عن طريق الرذاذ الذي لا يرى بالعين المجردة، ويتطاير أثناء سعال أو عطس الشخص المصاب، المتواجد بمقربة متر. ومن هنا ينتقل الفيروس إما عن طريق أنف أو فم أو حتى عين الشخص السليم ليصاب بالعدوى. ومن هنا تصبح كل من الدموع والأغشية المخاطية الملوثة بالفيروس لعين المصاب ناقلة للعدوى أيضا.

ما مدى نجاعة بروتوكول العلاج بالكلوروكين المخصص في أصله لعلاج الملاريا؟ ولماذا لا تعتمده المستشفيات الألمانية؟ ومتى يلجأ الطبيب إلى استعمال هذه الأدوية في حالات المصابين بفيروس كورونا؟

في ألمانيا لا نستعمل دواء الملاريا في علاج المصابين بكوفيد 19 لسببين، أولهما أن هذا الدواء لم يثب نتائج مرضية في العلاج منذ بداية استعماله، والسبب الثاني، أن ألمانيا تمنع استعمال أي دواء لم يخضع للتجارب الكافية والمدروسة بخصوص نتائجه ومضاعفاته وأعراضه التأثيرية.

في حين نستخدم دواء الإيبولا، المسمى بـ Remdesivir في علاج الحالات. لأن هذا الأخير يوقف عملية استنساخ الحمض النووي للفيروس في خلايا الجسم، وهو بذلك يوقف تكاثر فيروس كوفيد 19.

ما سبب قلة عدد الوفيات في أوساط المصابين بألمانيا؟ وهل تمكنت ألمانيا من احتواء المرض؟

يرجع ذلك إلى عدة عوامل، أولها أن الوعي الكبير لدى السكان وانضباطهم في تطبيق تعليمات الحكومة يساهم في المحافظة على القدرة الاستيعابية للمستشفيات الألمانية، ويتيح معالجة كل مريض مصاب بداء كورونا على حسب حالته وتطوراتها، لأننا نعتمد في علاجنا على تكاثف جهود الأطباء من كل التخصصات، بما أن الحالات تختلف ومضاعفات المرض أيضا تختلف من شخص إلى آخر، وبعض الحالات في وسط المصابين لديها مضاعفات وعلاجها يستدعي تدخل أربعة أطباء من مختلف التخصصات، مثلا طبيب قلب والجهاز التنفسي وطبيب التخدير.

والعامل الرئيس في قلة وفيات كورونا هو قوة المنظومة الصحية الألمانية، التي تحتل المرتبة الأولى عالميا في تصنيف سنة 2020.

أثبتت نتائج تشريحات طبية أجريت على المتوفين بسبب الفيروس كوفيد 19 أن سبب الوفاة هو تجلط رئوي وليس بسبب الالتهاب الرئوي، هل هذا صحيح؟ وهل يجب أن تتغير طرق العلاج بسبب هذه النتائج؟

نعم صحيح، ثبت لدينا في تشخيصات المصابين وجود حالات تجلط رئوي، وللتوضيح أكثر، فإن الفيروس يسبب أولا إلتهابًا رئويا يعيق العمل الوظيفي للرئة في تزويد الدم بالأوكسجين وتخليصه من ثاني أوكسيد الكربون. ثم يصيب الفيروس خلايا الرئة بالتليف وأحد الأعراض التي تلي الالتهاب الرئوي هو تخثر الدم، مما يسبب تجلط الشرايين في الرئة، ويكاد ينعدم وصول الأكسجين إليها. وهنا يحدث الفشل الرئوي.

أصبحنا نحن الأطباء، بناء على توجيهات المجمع الطبي الألماني والبريطاني، نعتمد بروتوكول علاج مغايرا، بإعطاء المصابين بالفيروس فور دخولهم الى المستشفى أدوية تمييع الدم بمقدار جرعة الوقاية  ProphylaxeDosis  المغايرة لجرعة العلاج التي تعطى للمريض في حالة حدوث التخثر في الدم. وفي غالب الأحيان صرنا نستبق العلاج بالهيبارين Heparin المميع للدم بجرعة علاجية في الحالات الحرجة، حتى قبل ثبوت الإصابة بالتخثر.

وسجلت حالات التجلط الرئوي عند المصابين الذين أبدوا تحسنا في اليوم الثالث أو الخامس أو السابع من إصابتهم ثم يشعرون بتدهور كبير في عملية التنفس، والتخثر في الدم يحدث بسبب ارتفاع في نسبة الصفائح الدموية مع تحرك زائد في تفعيل الخلايا اللمفاوية.

هل أنتم في تواصل مع الأطباء الجزائريين من أجل نقل الخبرات العلاجية وما قولكم في اعتماد العلاج بدواء الملاريا في الجزائر اتباعًا للطريقة المستعملة في فرنسا؟

نعم، الحمد لله، نحن في تواصل مستمر مع الأطباء الجزائريين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وهم يسألوننا عن كيفية العلاج، ونفيدهم بأحدث الدراسات التي نعتمدها، التي تنشرها المجلة الطبية نيوانجلاند جورنال New England Journal ofMedicine „NEJM“، كما أنقل إليهم كل خبرات العلاج التي توصلنا إليها هنا في ألمانيا، ونفيدهم بأحدث نتائج الفحوصات المكلفة. وبحكم أن ألمانيا رائدة في مجال العتاد الطبي نقوم بنقل النتائج مباشرة إلى أصدقائنا وزملاء المهنة بأرض الوطن لكي يعم النفع وتعم الفائدة.

وكذلك في إطار عملي كرئيس جمعية الأطباء الجزائريين في ألمانيا التي تم اعتمادها سنة 2018 من طرف الدوائر الحكومية الرسمية في ألمانيا، أعمل على توحيد جهود الأطباء الجزائيين في ألمانيا لتبادل الخبرات بيننا والعمل من أجل تطوير الكادر الطبي الجزائري بالخارج والداخل.

وبخصوص طريقة العلاج المعتمدة في الجزائر، أتحدث بالنسبة إلي كطبيب ورئيس قسم وحدة العناية المركزة ومسؤول وحدة علاج المصابين بداء كورونا، لا أنصح باستعمال المضاد الحيوي كوقاية دون وجود علامات أو أعراض واضحة لالتهاب بكتيري، كما لا أنصح نهائيا باستعمال أدوية الملاريا٬ لكن لا بأس بإعطاء المريض عنصر الزنك وفيتامين “س” لرفع المناعة وإعطائه الأسبرين من أجل خفض أداء صفائح الدم المسببة للتخثر، لكن ليس هناك حتى اللحظة إحصائيات تثبت أفضلية الأسبرين على الهيبارين المميع للدم المتخثر.

بالنسبة إلى طريقة العلاج في الجزائر نجدها تتبع الطريقة الفرنسية لسببين اثنين أولهما، هو عامل اللغة حيث إن دراسة الطب في الجزائر تقدم باللغة الفرنسية وثانيهما، أن فرنسا هي الدولة المتقدمة في مجال الطب بين الدول الناطقة بالفرنسية٬ وأكرر وأوضح ليس بين كل دول العالم بل فقط بين الدول الناطقة بالفرنسية. لكن لو عدنا إلى الدول المتقدمة عالميا في مجال الطب نجد مثلا ألمانيا والصين في المقدمة، وبالعودة إلى أبحاث ومنشورات أفضل مجلة طبية في العالم، مجلة نيوانجلاند جورنال New England Journal ofMedicine „NEJM“ لا نجد فيها أثر ملحوظاً لمنشورات وأبحاث فرنسية، في حين نجد حضوراً قويا لكل من ألمانيا، الصين، إنجلترا، كوريا الجنوبية، أمريكا..

ألمانيا وعدة دول أخرى سرعت من وتيرة البحوث من أجل الوصول إلى اللقاح المناسب، متى تتوقع بداية استعمال اللقاح على المرضى؟

نتوقع بداية الاستفادة من اللقاح في أواخر هذه السنة ومع بداية سنة 2021 كأقرب أجل، حسب معظم التقديرات٬ لكن بعض خبراء التجارب الدوائية الألمان ذهب إلى حد أبعد يصل إلى نهاية خريف 2021.

هل هناك احتمال معاودة الإصابة عند الحالات التي شفيت من الفيروس؟

هناك حالات نادرة جدا أثبتت معاودة الإصابة بالفيروس لدى أشخاص كانوا قد تعافوا منه، لكن الحالات لم تخضع للدراسة والتحقق من أعمار المرضى وهل سبق أن خضعوا لعملية زراعة الأعضاء مثل نقل الكلى مثلا أو هل تناولوا أدوية مخفضة للمناعة الطبيعية في الجسم أو لديهم مرض في الجهاز المناعي أو تناولوا الكورتيزون، وحتى تارخ تسجيل اللقاء تم رصد 30 حالة من معاودة الإصابة معظمها في جنوب وشرق آسيا. لذلك، لا يمكن التعميم، خاصة دون دراسة وتقص في وضع هذه الحالات وتاريخها العلاجي. إذًا، علميا لا يمكن الجزم بإمكانية معاودة الإصابة بالفيروس ماعدا في حالات استثنائية خاصة جدا.

في رأيك، هل تتعمد بعض الدول السرية في الأبحاث العلاجية، مثلما تتهم الولايات المتحدة الصين بالتكتم الذي تسبب في كارثة عالمية حسبها؟

لا أؤمن بهذا الاتهام في وسط الأطباء، لأن العلماء والباحثين والأطباء بعيدون كل البعد عن السياسة وهمهم الوحيد هو الوصول إلى العلاج ونشر المعلومات ونتائج الأبحاث بأسرع ما يمكن في الصحف والمجلات العملية لكي تعم الفائدة وتصل المعلومة إلى أكبر عدد ممكن من شريحة الأطباء في العالم.

كلمة أخيرة توجهها إلى الأطباء الجزائريين الموجودين في مواجهة مباشرة مع الفيروس بخصوص بروتوكولات العلاج التي يعتمدونها حاليا؟

الجزائر وكل العالم في حاجة إلى مساعدين وليس إلى أبطال، لأن البطل من يموت من أجل الآخرين لكن المساعد يحافظ على بقاء المرضى على قيد الحياة دون إلحاق الضرر بنفسه٬ لذلك يجب أن يهتم الأطباء أثناء مكافحة الوباء بعنصر الوقاية والسلامة وحماية النفس بكل الطرق الضرورية.

نصيحتي إليهم في ما يخص طرق العلاج هي التعامل مع كل مريض حسب حالته الصحية وأعراضه بعد التشخيص الجيد للأداء الوظيفي لأعضائه الحيوية مثل الرئتين والقلب وباقي الأعضاء كالدم والكبد.

كما أنصحهم بالاطلاع على مجلة نيوانجلاند جورنال New England Journal ofMedicine خاصة أن الأمر صار مجانيا في فترة كورونا، وأحثهم على عدم الاعتماد على اللغة الفرنسية فقط في تلقي المستجدات العلمية وبروتوكولات العلاج، لكي يتسنى لهم الاطلاع على أكبر كم ممكن من نتائج الأبحاث العلمية العالمية، خاصة أن معظمها يتم نشره باللغة الإنجليزية.

حاورته:فريدة تشامقجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!